لا
يقتصر الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية على المجتمعات العربية فقط ،
بل هو ظاهرة طبيعية تعرفها جل المجتمعات البشرية ، والسبب في ذلك أن الفرد
المتكلم – في مقامات خاصة - غالبا ما يلجأ إلى التحلل من القواعد ليعبر عن
أغراضه بسرعة موليا الأهمية للمضمون على حساب الشكل ، بدون رقابة الضوابط
الإعرابية والصرفية ، جانحا أحيانا إلى اللحن والنحت والتوليد... فتنشأ لغة
ربيبة للفصحى ، قد تبتعد عنها مع مرور الزمن في المعجم والصرف والتركيب .
وهذه الظاهرة موجودة في فرنسا حيث تختلف لغة العامة عن لغة الكتابة اختلافا كبيرا . وفي ألمانيا عدة لهجات ، لكل ناحية لهجتها الخاصة ، وتبقى الفصحى الألمانية للكتابة ، وهي التي توحد بين مختلف أجزاء البلاد الجرمانية . ولم نسمع أبدا – عندهم - من نادى بالتخلي عن اللغة الفصحى وإحلال محلها العامية في المؤسسات التعليمية .
أما في الوطن العربي ، فليست هذه المرة الأولى التي ينادى فيها باعتماد اللسان الدارج في التعليم .
وهذه الظاهرة موجودة في فرنسا حيث تختلف لغة العامة عن لغة الكتابة اختلافا كبيرا . وفي ألمانيا عدة لهجات ، لكل ناحية لهجتها الخاصة ، وتبقى الفصحى الألمانية للكتابة ، وهي التي توحد بين مختلف أجزاء البلاد الجرمانية . ولم نسمع أبدا – عندهم - من نادى بالتخلي عن اللغة الفصحى وإحلال محلها العامية في المؤسسات التعليمية .
أما في الوطن العربي ، فليست هذه المرة الأولى التي ينادى فيها باعتماد اللسان الدارج في التعليم .
فقد
سبق إلى ذلك نور الدين عيوش ، الأستاذ أمين الخولي – وهو مفكر من العيار
المحترم – في كتابه " محاضرات عن مشكلات حياتنا اللغوية " ، إذ قال بأن "
مشكلة الازدواج اللغوي بالنسبة للمجتمعات التي تتكلم العربية هو أبعد
مشكلاتها دورا وأعنفها أثرا ، لأنها تصيب هذه المجتمعات بظاهرة الازدواج
الذي يجعلها تحيا وتشعر وتتعامل وتتواصل بلغة مرنة يومية نامية متطورة ، ثم
تتعلم وتدين وتحكم بلغة مكتوبة محدودة غير مطواعة للألسنة ، بالإضافة إلى
تعثر أقلام القراء فيها ، وهذا يزيد من تكريس وضعية التفرقة الطبقية
الثقافية ". كما أن سلامة موسي وطه حسين – وهما من هما في الثقافة والعلم -
كان لهما مثل هذا الرأي لكن ما لبث هذا الأخير أن أعلن تبرؤه منه .
كما نجد في الاتجاه الآخر فحل المثقفين ، المفكر ساطع الحصري الذي رأى " أن
كل أمة من الأمم تحتاج إلى لغة موحدة ( بكسر الحاء) تزيدها تجاوبا وتماسكا
، فتكون موحدة لأن اللغة في الحياة الاجتماعية الحالية لا تنحصر في ضمان
التفاهم بين المتخاصمين الذين يعيشون في قرية واحدة أو قطر واحد ، بل هي
ضمان التفاهم والتخاطب والتكاثف بين أبناء الأمة على اختلاف مدنهم وأقطارهم
" .
وإذا عدنا إلى مناسبة هذا الكلام ، حيث دعت توصيات صادرة عن "
مؤسسة زاكورة " ، في ندوة حضرتها شخصيات وازنة – مستشار ملكي وآخران
سيستوزران في النسخة الحكومية الثانية ، مباشرة بعد ذلك - إلى استعمال
اللسان الدارج في تعليم المواد بالمدرسة الابتدائية ، نلمس – من جهة -
خطورة الطرح ، لأنه طرح رسمي عند استقصاء مجموعة من القرائن ، موجود بالقوة
يطوي تحت جناحيه وجودا بالفعل ، يؤسس لردة تتغيى تهميش كلمة الشعب في
قضايا كبرى ومصيرية ويجعل القرار في يد حفنة من الناس . والذي – الطرح -
يبدو أنه افتتح النقاش حول إصلاح التعليم ، ما بعد الخطاب الملكي ، بشكل
غوغائي ، على حد تعبير العالم اللساني المغربي عبد القادر الفاسي الفهري ،
لأنه لا يعدو شطحة إلهائية تروم الدخول بالنقاش إلى ردهات أم تلافيف الحوار
فيزيغ عن المشاكل والملفات الحقيقية المطروحة على طاولة الإصلاح . ومن جهة
أخرى ، نلمس كذلك عدم جديته ولاعلميته . فعراؤه عن الجدية أنه يبدو غير
مفكر فيه ، لأن للمغاربة دارجات وليس واحدة ، ثم ما الزمن الذي ستستغرقه
معيرتها ؟ وقد تطلب تقعيد اللغة العربية ستة قرون بالتمام والكمال ، وما
الكلفة الزمنية والبيداغوجية والبشرية والحضارية لذلك ؟ وأما عراؤه عن
العلمية فيتمثل في أن الطرح لا ينهض على دراسات وأبحاث علمية ، علما أن
اختزال ظاهرة بحجم الهدر المدرسي وضعف المكتسبات اللغوية عند المعلمين في
عنصر واحد ، لغة التدريس ، هو مجانب للعلمية والصواب بحيث إن أضعف الطلاب
يدركون أن أي ظاهرة يكون العنصر البشري المتمدرس طرفا فيها يتشابك فيها
السيكولوجي بالبيداغوجي بالسياسي بالسوسيولجي بالثقافي وهلم جرا .
كما
يحق لنا السؤال عن نصيب المؤسسات الخصوصية من هذه التوصيات ، هل ستجد
طريقها إليها وهي التي تسود فيها اللغة الفرنسية ، وتجبرها على استعمال
اللسان الدارج ، أم أن هذا لا يعني غير المدرسة العمومية ذات الحائط القصير
؟
وفي الأخير ، ولتبديد مخاوف السيد عيوش من اللغة العربية وما يستتبع
ذلك ، فليكن مطمئنا ، لأن ما يستميت في الترويج له من توصيات هو حاصل
بالفعل وواقع معيش منذ عشرات السنين بين جدران المؤسسات التعليمية ، بحيث
إن لغة التدريس بها سواء المواد الفرنسية أو العربية هي الدارجة بامتياز ،
وبنسبة تفوق بكثير تسعين بالمائة من الزمن المدرسي ، وهنا نلتقي معه في أن
لغة التدريس سبب من أسباب نزيف الهدر المدرسي الذي تعاني منه المدرسة
المغربية .
كما يمكن أن نتحداه – نحن أهل المدرسة العمومية ورواد
حجراتها الدراسية البائسة ، وبكل ثقة وتحد ، إن كان فعلا تؤرقه ظاهرة الهدر
المدرسي بالمدرسة العمومية بسبب عدم تمكن المتعلمين من اللسان العربي ،
نقول له أننا قادرون على الارتفاع بعامية الطفل في شهور معدودة إلى اللسان
العربي الفصيح ، بشرط أن يتوفر لنا الحد الدنى من شروط العمل .