24/24

1.12.13

المدرسة بين الفصحى والعامية

لا يقتصر الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامية على المجتمعات العربية فقط ، بل هو ظاهرة طبيعية تعرفها جل المجتمعات البشرية ، والسبب في ذلك أن الفرد المتكلم – في مقامات خاصة - غالبا ما يلجأ إلى التحلل من القواعد ليعبر عن أغراضه بسرعة موليا الأهمية للمضمون على حساب الشكل ، بدون رقابة الضوابط الإعرابية والصرفية ، جانحا أحيانا إلى اللحن والنحت والتوليد... فتنشأ لغة ربيبة للفصحى ، قد تبتعد عنها مع مرور الزمن في المعجم والصرف والتركيب .
وهذه الظاهرة موجودة في فرنسا حيث تختلف لغة العامة عن لغة الكتابة اختلافا كبيرا . وفي ألمانيا عدة لهجات ، لكل ناحية لهجتها الخاصة ، وتبقى الفصحى الألمانية للكتابة ، وهي التي توحد بين مختلف أجزاء البلاد الجرمانية . ولم نسمع أبدا – عندهم - من نادى بالتخلي عن اللغة الفصحى وإحلال محلها العامية في المؤسسات التعليمية .
أما في الوطن العربي ، فليست هذه المرة الأولى التي ينادى فيها باعتماد اللسان الدارج في التعليم .

فقد سبق إلى ذلك نور الدين عيوش ، الأستاذ أمين الخولي – وهو مفكر من العيار المحترم – في كتابه " محاضرات عن مشكلات حياتنا اللغوية " ، إذ قال بأن " مشكلة الازدواج اللغوي بالنسبة للمجتمعات التي تتكلم العربية هو أبعد مشكلاتها دورا وأعنفها أثرا ، لأنها تصيب هذه المجتمعات بظاهرة الازدواج الذي يجعلها تحيا وتشعر وتتعامل وتتواصل بلغة مرنة يومية نامية متطورة ، ثم تتعلم وتدين وتحكم بلغة مكتوبة محدودة غير مطواعة للألسنة ، بالإضافة إلى تعثر أقلام القراء فيها ، وهذا يزيد من تكريس وضعية التفرقة الطبقية الثقافية ". كما أن سلامة موسي وطه حسين – وهما من هما في الثقافة والعلم - كان لهما مثل هذا الرأي لكن ما لبث هذا الأخير أن أعلن تبرؤه منه .
كما نجد في الاتجاه الآخر فحل المثقفين ، المفكر ساطع الحصري الذي رأى " أن كل أمة من الأمم تحتاج إلى لغة موحدة ( بكسر الحاء) تزيدها تجاوبا وتماسكا ، فتكون موحدة لأن اللغة في الحياة الاجتماعية الحالية لا تنحصر في ضمان التفاهم بين المتخاصمين الذين يعيشون في قرية واحدة أو قطر واحد ، بل هي ضمان التفاهم والتخاطب والتكاثف بين أبناء الأمة على اختلاف مدنهم وأقطارهم " .
وإذا عدنا إلى مناسبة هذا الكلام ، حيث دعت توصيات صادرة عن " مؤسسة زاكورة " ، في ندوة حضرتها شخصيات وازنة – مستشار ملكي وآخران سيستوزران في النسخة الحكومية الثانية ، مباشرة بعد ذلك - إلى استعمال اللسان الدارج في تعليم المواد بالمدرسة الابتدائية ، نلمس – من جهة - خطورة الطرح ، لأنه طرح رسمي عند استقصاء مجموعة من القرائن ، موجود بالقوة يطوي تحت جناحيه وجودا بالفعل ، يؤسس لردة تتغيى تهميش كلمة الشعب في قضايا كبرى ومصيرية ويجعل القرار في يد حفنة من الناس . والذي – الطرح - يبدو أنه افتتح النقاش حول إصلاح التعليم ، ما بعد الخطاب الملكي ، بشكل غوغائي ، على حد تعبير العالم اللساني المغربي عبد القادر الفاسي الفهري ، لأنه لا يعدو شطحة إلهائية تروم الدخول بالنقاش إلى ردهات أم تلافيف الحوار فيزيغ عن المشاكل والملفات الحقيقية المطروحة على طاولة الإصلاح . ومن جهة أخرى ، نلمس كذلك عدم جديته ولاعلميته . فعراؤه عن الجدية أنه يبدو غير مفكر فيه ، لأن للمغاربة دارجات وليس واحدة ، ثم ما الزمن الذي ستستغرقه معيرتها ؟ وقد تطلب تقعيد اللغة العربية ستة قرون بالتمام والكمال ، وما الكلفة الزمنية والبيداغوجية والبشرية والحضارية لذلك ؟ وأما عراؤه عن العلمية فيتمثل في أن الطرح لا ينهض على دراسات وأبحاث علمية ، علما أن اختزال ظاهرة بحجم الهدر المدرسي وضعف المكتسبات اللغوية عند المعلمين في عنصر واحد ، لغة التدريس ، هو مجانب للعلمية والصواب بحيث إن أضعف الطلاب يدركون أن أي ظاهرة يكون العنصر البشري المتمدرس طرفا فيها يتشابك فيها السيكولوجي بالبيداغوجي بالسياسي بالسوسيولجي بالثقافي وهلم جرا .
كما يحق لنا السؤال عن نصيب المؤسسات الخصوصية من هذه التوصيات ، هل ستجد طريقها إليها وهي التي تسود فيها اللغة الفرنسية ، وتجبرها على استعمال اللسان الدارج ، أم أن هذا لا يعني غير المدرسة العمومية ذات الحائط القصير ؟
وفي الأخير ، ولتبديد مخاوف السيد عيوش من اللغة العربية وما يستتبع ذلك ، فليكن مطمئنا ، لأن ما يستميت في الترويج له من توصيات هو حاصل بالفعل وواقع معيش منذ عشرات السنين بين جدران المؤسسات التعليمية ، بحيث إن لغة التدريس بها سواء المواد الفرنسية أو العربية هي الدارجة بامتياز ، وبنسبة تفوق بكثير تسعين بالمائة من الزمن المدرسي ، وهنا نلتقي معه في أن لغة التدريس سبب من أسباب نزيف الهدر المدرسي الذي تعاني منه المدرسة المغربية .
كما يمكن أن نتحداه – نحن أهل المدرسة العمومية ورواد حجراتها الدراسية البائسة ، وبكل ثقة وتحد ، إن كان فعلا تؤرقه ظاهرة الهدر المدرسي بالمدرسة العمومية بسبب عدم تمكن المتعلمين من اللسان العربي ، نقول له أننا قادرون على الارتفاع بعامية الطفل في شهور معدودة إلى اللسان العربي الفصيح ، بشرط أن يتوفر لنا الحد الدنى من شروط العمل .

عدد الزوار